فصل: تفسير الآية رقم (10):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآية رقم (9):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)}
ذكرُ نعمة الله مُقابَلَتُها بالشكر، ولو تذكرتَ ما دَفَعَ عنك فيما سَلَفَ لهانت عليك مقاساةُ البلاءِ في الحال، ولو تذكرتَ ما أولاكَ في الماضي لَقَرُبَتْ من قلبك الثقةُ في إيصال ما تؤمِّلُه في المستقبل.
ومن جملة ما ذكَّرهم به: {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} كم بلاءٍ صَرَفَه عن العبدِ وهو لم يشعر! وكم شُغْلٍ كان يقصده فصَدَّه ولم يعلم! وكم أمرٍ عَوَّقَه والعبدُ يَضِجُّ وهو- (سبحانه)- يعلم- أَن في تيسيره له هلاكَ العبد فمَنَعَه منه رحمةً به، والعبدُ يتَّهِمُ ويضيق صَدْرُه بذلك!

.تفسير الآية رقم (10):

{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)}
أحاط بهم سُرَادقُ البلاء، وأَحدقَ بهم عَسْكرُ العدوِّ، واستسلموا للاجتياح، وبلغت القلوبُ الحناجرَ، وتَقَسَّمَتْ الظنونُ، وداخَلَتْهُم كوامِنُ الارتياب، وبدا في سويدائهم جَوَلانُ الشكِّ.

.تفسير الآية رقم (11):

{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)}
ثم أزال عنهم جملتها، وقَشَعَ عنهم شِدَّتها، فانجاب عنهم سحابُها، وتفرَّقَتْ عن قلوبهم همومُها، وتَفَجَّرَتْ ينابيعُ سكينتهم.

.تفسير الآية رقم (12):

{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)}
صَرَّحوا بالتكذيب- لما انطوت عليه قلوبُهم- حين وجدوا للمقال مجالاً.

.تفسير الآية رقم (13):

{وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)}
تواصَوْا فيما بينهم بالفرار عندما سَوَّلَتْ لهم شياطينُهم من وشك ظَفَرِ الأعداء. قوله: {وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ} يتعلّلون بانكشافِ بيوتهم وضياع مُخَلَّفَاتِهم، ويكذبون فيما أظهروه عُذْراً، وهم لم يَحْمِلْهم على فعلهم غيرُ جُبْنِهِم وقلَةُ يقينهم.

.تفسير الآية رقم (15):

{وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15)}
ولكن لما عزم الأمر، وظهر الجدّ لم يساعدهم الصدقُ، ولم يذكروا أنهم سَيُسألون عن عهدهم، ويُعاقوبون على ما أسلفوه من ذنبهم.

.تفسير الآية رقم (16):

{قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16)}
لأَن الآجالَ لا تأخيرَ لها ولا تقديم عليها، وكما قالوا: إنّ الهاربَ عمّا هو كائن في كفِّ الطالب يتقلبُ.
{وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاًَّ قَلِيلاً}: فإنّ ما يدّخرُه العبدُ عن الله من مالٍ أو جاهٍ أو نَفيسٍ أو قريب لا يُبارَك له فيه، ولا يجدُ به مَنَعَةً، ولا يُرزقُ منة غبطة.

.تفسير الآية رقم (17):

{قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17)}
من الذي يحققُ لكم من دونه مَرْجُوًّا؟ ومن الذي يصرف عنكم دونه عَدُوًّا؟

.تفسير الآية رقم (18):

{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18)}
هم الذين كانوا يمتنعون بأنفسهم عن نصرة النبي عليه السلام، ويمنعون غيرهم ليكون جمعُهم أكثرَ وكيدُهم أخفى، وهم لا يعلمون أنّ الله يُطْلِعُ رسولَه عليه السلام عليهم ثم ذَكَرَ وَصْفَهم.

.تفسير الآية رقم (19):

{أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19)}
قوله جلّ ذكره: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمُ فَإِذَا جَآءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تّدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوتِ فَإِذَا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ}.
إذا جاء الخوفُ طاشت من الرعبِ عقولهم، وطاحت بصائرهم، وتعطلت عن النصرة جميعُ أعضائهم، وإذا ذهبَ الخوْفُ زَيَّنوا كلامَهم، وقدّموا خداعهم، واحتالوا في أحقاد خِستهم.. أولئك هذه صفاتهم؛ لم يباشر الإيمانُ قلوبهم، ولا صدقوا فيما أظهروا من ادعائهم واستسلامهم.

.تفسير الآية رقم (20):

{يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20)}
يحسبون الأحزابَ لم يذهبوا، ويخافون من عَوْدهم، ويفزعون من ظلِّ أنفسهم إذا وقعوا على آثارهم، ولو اتفق هجومُ الأعداءُ عليكم ما كانوا إلا في حرز سيوفهم ودرية رماحهم.

.تفسير الآية رقم (21):

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)}
كان: صلة ومعناها: لكم في رسول الله أسوة حسنة، به قدوتكم، ويجب عليكم متابعته فيما يرسمه لكم. وأَقول الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله على الوجوب إلى أن يقوم دليل التخصيص، فأما أَحواله فلا سبيلَ لأحدٍ إلى الإشراف عليها، فإن ظَهَرَ شيء من ذلك بإخباره أَو بدلالة أقواله وأفعاله عليه فإن كان ذلك مُكْتَسَباً مِن قِبَلِه فيُلحق في الظاهر بالوجوب بأفعاله وأقواله، وإن كان غير مكتسبٍ له فهي خصوصيةٌ له لا ينبغي لأحد أَن يتعرّض لمقابلته لاختصاصه- صلى الله عليه وسلم- بعلوِّ رتبته.

.تفسير الآية رقم (22):

{وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)}
كما أنّ المنافقين اضطربت عقائدُهم عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهلُ اليقين ازدادوا ثِقةً، وعلى الأعداء جرأةً، ولحكم الله استسلاماً، ومن الله قوةً.

.تفسير الآية رقم (23):

{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)}
شَكَرَ صنيعَهم في المراس، ومدح يقينهم عند شهود الباس، وسماهم رجالاً إثباتاً لخصوصية رتبتهم وتمييزاً لهم من بين أَشكالهم بعلوِّ الحالة والمنزلة، فمنهم مَنْ خرج من دنياه على صدْقه ومنهم مَنْ ينتظر حكم الله في الحياة والممات، ولم يزيغوا عن عهدهم، ولم يراوغوا في مراعاة حدِّهم؛ فحقيقةُ الصدق حِفْظُ العهد وتَرْكُ مجاوزة الحدِّ.
ويقال: الصدقُ استواءُ الجهر والسِّرِّ.
ويقال: هو الثباتُ عندما يكون الأَمرُ جِدًّا.

.تفسير الآية رقم (24):

{لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24)}
في الدنيا يجزي الصادِقين بالتمكين والنصرة على العدو وإعلاء الراية، وفي الآخرة بجميل الثواب وجزيلِ المآب والخلودِ في النعيم المقيم والتقديمِ على الأمثال بالتكريم والتعظيم.
{وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} على الوجه الذي سَبق به العلم، وتَعَلَّقت به المشيئة.
ويقال: إذا لم يجزم بعقوبة المنافق وعَلَّقَ القولَ فيه بالرجاء فبالحريّ ألا يُخَيِّبَ المؤمنَ في رجائه.

.تفسير الآية رقم (25):

{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)}
لم يُشمت بالمسلمين عَدُوًّا، ولم يُوصِّلْ إليهم مَنْ كيدهم سواءاً، ووضع كيدهم في نحورهم، واجتثَّهم من أصولهم، وبيِّن بذلك جواهر صِدْقهم وغير صدقهم، وشكَر مَنْ استوجب شكره مِنْ جملتهم، وفضحَ مَنْ استحقّ الذمّ من المدلسِّين منهم.

.تفسير الآية رقم (26):

{وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26)}
إنّ الحقَّ- سبحانه- إذا أجمل أكمل، وإذا شفى كفى، وإذا وفى أوفى. فأظفر المسلمين عليهم، وأورثهم معاقلَهم، وأذلّ مُتعزِّزَهم، وكفاهم بكلِّ وجهٍ أمرهم، ومكَّنهم من قَتْلِهم وأسرِهم ونهْبِ أَموالهم، وسَبى ذراريهم.

.تفسير الآيات (28- 29):

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29)}
لم يُرِدْ أن يكونَ قلبُ أحد من المؤمنين والمؤمنات منه في شُغل، أو يعود إلى أحد منه أذى أو تعب، فخَيَّرَ- صلى الله عليه وسلم- نساءَه، ووفقَ اللَّهُ سبحانه عائشةَ أمّ المؤمنين- رضي الله عنها- حتى أخبرت عن صِدْقِ قلبها، وكمالِ دينها ويقينها، وبما هو المنتظر. من أصلها وتربيتها، والباقي جرين على منهاجها، ونَسَجْنَ على مِنوالهَا.

.تفسير الآية رقم (30):

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)}
زيادةُ العقوبةعلى الجُرْم من أمارات الفضيلة، ولذا فضل حدُّ الأحرار على العبيد وتقليل ذلك من أمارات النقص؛ فلما كانت منزلتُهن في الشرف تزيدعلى منزلة جميع النساء ضاعَفَ عقوبتهن على أجرامهن، وضاعف ثوابهن على طاعتهن. وقال.

.تفسير الآية رقم (32):

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32)}
نهاهن عن التبذُّل، وأمَرَهُنَّ بمراعاةِ حُرْمَةِ الرسول صلى الله عليه وسلم، والتصاون عن تَطَمُّعِ المنافقين في مُلاينتهن.

.تفسير الآية رقم (33):

{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)}
الرجس: الأفعالُ الخبيثةُ والأخلاقُ الدنيئة؛ فالأفعال الخبيثة الفواحش ما ظهرَ منها وما بطن، وما قلّ وما جلّ. والأخلاقُ الدنيئةُ الأهواءُ والبِدَعُ كالبخل والشحِّ وقَطْعِ الرَّحِم، ويريد بهم الأخلاقَ الكريمةَ كالجُودِ والإيثار والسخاء وصِلَةِ الرَّحِمِ، ويديم لهم التوفيق والعصمة والتسدسد، ويُطهرهم من الذنوب والعيوب.

.تفسير الآية رقم (34):

{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)}
أذْكُرْنَ عظيمَ النعمة وجليل الحالةٍ التي تجري في بيوتكن؛ من نزول الوحي ومجيء الملائكة، وحُرْمَةِ الرسول- صلى الله عليه وسلم- والنور الذي يقتبس في الآفاق، ونور الشمس الذي يَنبسط على العالم، فاعرفن هذه النعمة، وَارعين هذه الحُرمة.

.تفسير الآية رقم (35):

{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)}
قوله جلّ ذكره: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ}.
الإسلام هو الاستسلام، والإخلاص، والمبالغة في المجاهدة والمكابدة.
{وَالْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ}.
الإيمان هو التصديق وهو مجمع الطاعات، ويقال هو التصديق والتحقيق، ويقال هو انتسامُ الحقيقةٍ في القلب. ويقال هو حياة القلب أولاً بالعقل، ولقومٍ بالعلم، ولآخرين، بالفهم عن الله، ولآخرين بالتوحيد، ولآخرين بالمعرفة، ولآخرين إيمانُهم حَياةُ قلوبهم بالله.
{وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ}.
القنوتُ طولُ العبادة.
{وَالصَادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ}.
في عهودهم وعقودهم ورعاية حدودهم.
{وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ}.
على الخصال الحميدة، وعن الصفات الذميمة، وعند جريان مفاجآت القضية.
{وَالخَاشِعِينَ وَالْخَاشعَاتِ}.
الخشوعُ إطراقُ السريرة عند بوادِه الحقيقة.
{وَالْمُتَصَدِّقينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ}.
بأموالهم وأنفسهم حتى لا يكون لهم مع أحدٍ خصومة فيما نالوا منهم، أو قالوا فيهم.
{وَالصَّآئِمِينَ وَالصَّآئِماتِ}.
الممسكين عمَّا لا يجوز في الشريعة والطريقة.
{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ}.
في الظاهر عن الحرام، وفي الإشارة عن جميع الآثام.
{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كّثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ}.
بألسنتهم وقلوبهم وفي عموم أحوالهم لا يَفْتُرُون، ولا يَتَدَاخَلُهم نسيان.
{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}.
فهؤلاء لهم جميلُ الحُسْنَى، وجزيلُ العُقْبَى.